منتديات أمل الكويت
عزيزي الزائر يرجي التكرم بتسجيل الدخول
أو التسجيل ان كنت غير مسجل لدينا وترغب في
الإنضمام إلي سرة المنتدي
مشاركتك معنا تسعدنا bom
إدارة المنتدي

محمد الغزالي.. الإمام الحزين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمد الغزالي.. الإمام الحزين

مُساهمة من طرف THE ONLY WAY في الجمعة مايو 08, 2009 10:57 am

يعد الشيخ "محمد الغزالي" (1917ـ 1996) من أسس الفكر الإسلامي المعاصر وقادته، وقد تصدر القمة في ميدان الدعوة الإسلامية، وكانت الدعوة لديه تقوم على المناقشة الموضوعية الهادئة الهادفة، والحجة المنطقية القوية، مع بلاغة الأسلوب، ورصانة العبارة والإتيان بالأدلة القوية، والبراهين الساطعة: العقلية والنقلية، وأحيانا كانت تتسم لغة الشيخ الغزالي في أحاديثه وخطبه وفي كتبه كذلك باللهجة الحادة الساخرة.. ولكنها تكون مقنعة. وقد خاض عدة ميادين فكرية وكلها في سبيل تقديم الإسلام إلى الناس، وعرضه عرضا قوياً مقنعاً، وتخليص حقائق الإسلام الصافية من كل الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام.

المولد والنشأة

ولد الشيخ "محمد الغزالي" في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر في (5 من ذي الحجة 1335هـ الموافق 22 من سبتمبر 1917م) ونشأ في أسرة كريمة، وتربى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ ـ 1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وظل في دأبه على الكتابة أثناء المرحلة الجامعية إلى أن تخرج سنة (1360هـ ـ 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة "العالمية" سنة (1362هـ ـ 1943م) وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.

وفي ميدان الفكر الإسلامي يقدم الغزالي أكثر من ثلاثين كتابا، تعالج موقف الإسلام من الحياة ومن السياسة والقوى العالمية، وتعالج مشاكل الإنسان الحياتية والمصيرية.

ففي ميدان مواجهة الفكر الإسلامي للأفكار المضادة، وحملات الاستعماريين يقدم الغزالي عدة كتب، فيكتب عن: الإسلام والاستبداد السياسي، ويكتب في جلاء ووضوح عن حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، ويكتب مبينا حقيقة الاستعمار والمستعمرين ويوضح ذلك في كتابه "الاستعمار أحقاد وأطماع"، وينبه إلى خطر الفكر الشيوعي ويقدم شهادته في هذا المضمار في كتابه "الإسلام في وجه الزحف الأحمر".

وفي حقل الدعوة الإسلامية ـ فكراً ومنهجاً ـ يقدم ويعالج عدة قضايا فكرية ومنهجية، ومنها: كيف نفهم الإسلام، والدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر، والمحاور الخمسة للقرآن الكريم، ويعالج قضية الإسلام والطاقات المعطلة، ثم يقدم تأملاته العميقة في الدين والحياة.

يقول الغزالي موضحاً أهمية الفكر الصحيح وضرورة الإيمان بهدف ورسالة فكرية مثمرة إيمانية: "الرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته، فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس، تحاول أبداً أن تفرض على الدنيا نفسها، وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مر الأيام والليالي فروعاً متشابكة تظلل المستقبل وتتغلغل فيه، ومن ثم تبدأ الدعوات والنهضات الكبرى برجل واحد، هو في بداية أمره أمة وحده، أمة يتخيل حقيقتها في رأسه، ويحس ضرورتها في دمه، ويبشر بها في كلامه، ويحمل أثقالها على كاهله.

الغزالي والحضارة الحديثة

وإلى جانب الجهود السابقة فإن الشيخ الغزالي الأديب الداعية، قد استطاع ـ في قدرة فائقة ـ أن يمزج بين توهج العاطفة واتزان التفكير وهو يتحرك في ميدان الدعوة مدافعاً عن الإسلام، ومقدماً صورته المضيئة للناس.

والساحة الكبرى التي صال فيها "الغزالي" وجال، وحاور وجادل، وكر وفر، وفاز هي ساحة "التماس" بين الإسلام والغرب، أو موقف الإسلام من الحضارة الحديثة، والغزالي حضاري التفكير، واقعي الرؤى، لا يلقي بالتهم في وجه منجزات الحضارة الغربية الحديثة ـ شأن بعض المسلمين ـ؛ ولكنه يفتش عن مواطن الداء في طريقة فهم المسلمين لدينهم، وكيفية تعاملهم مع منجزات العلم الحديث.. فيقول:

"إن الغزو الثقافي يمتد في فراغنا: هناك فراغ حقيقي في النفس الإسلامية المعاصرة؛ لأن تصورها للإسلام طفولي وسطحي يستقى من عهود الاضمحلال العقلي في تاريخنا، وكأن بينه وبين عهود الازدهار ترة".

إن هذه الرؤية الواقعية المحايدة لتخلف العالم الإسلامي عن ركب الحضارة الحديثة هي نقد ذاتي من داخل منهج كثير من المسلمين في تقديم عقيدتهم ونتاجهم الفكري للآخرين.

هذه الرؤية الناقدة دفعت بالشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ إلى رصد إيجابيات حركة التلاقي بين الإسلام والغرب، وهى حركة يجب أن يفيد المسلمون من تفاعلها وليس من تصادمها.

و"الغزالي" الداعية في كتابه "الغزو الثقافي يمتد في فراغنا" يؤكد أن صلة الحضارة الحديثة بالعرب أيام صدارتهم لا يمكن إنكارها، فإن أحبار اليهود وآباء الكنيسة جميعا حرصوا على الالتحاق بجامعات الأندلس، والارتواء من ثقافتها الخصيبة؛ وقد ترجموا القرآن إلى العبرية واللاتينية، وكان لترجمات معاني القرآن الكريم في مناهجهم أثر كبير، ويكشف "الغزالي" النقاب عن عدة ملامح تجسد إيجابيات التلاقي المتفاعل بين الإسلام والغرب؛ فنراه يشيد بالمنجزات العلمية الباهرة للحضارة الغربية، وينعي على المسلمين تخلفهم المزري في هذا المضمار!

ومن ملامح التفاعل والتلاقي بين الحضارتين.. حضارة الإسلام وحضارة الغرب: ما يسوقه الشيخ الغزالي على لسان نابليون، ورأيه في نابليون نفسه فهو في نظرة "رجل من عشاق المجد وطلاب العلا" ومما يفسر ذلك أن نابليون في كتاب "نظرات سياسية" يؤكد حبه للإسلام وتقديره لمده الحضاري وتعاليمه الرشيدة، ويرى نابليون أنه كان مقتنعا بأن الإسلام هو أصلح قاعدة لبناء أعظم دولة في التاريخ، وأن هذا الاقتناع صاحبه لدى إعداد الحملة الفرنسية على مصر!

وهذا الاعتراف سجله نابليون في كتابه وهو منفي بجز يرة "سانت هيلانه " التي قضى فيها نحبه، أي أنها ـ كما يقول الشيخ ـ تجارب قائد معمر بعد حياة عاصفة، وقد أدرك عظمة الإسلام والقدرات الروحية والمادية التي يوفرها لمجتمعه، فود لو يقيم باسمه دولة.

وأما الملمح الثاني من مظاهر التفاعل، وليس التصادم، بين الإسلام والحضارة الحديثة، فهو يتمثل في رأى الفيلسوف الفرنسي "فولتير" في الإسلام، وموقفه من الذين يهاجمون القرآن الكريم.. ويكيدون لأتباعه يقول "فولتير":

"كيف تحقرون كتابا يدعو إلى الفضيلة والزكاة والرحمة؟ كتابا يجعل الرضوان الأعلى جزاء لمن يعملون الصالحات، وتتوفر فيهم الكمالات الذاتية، إن الذين يهاجمون القرآن لم يقرؤوه قطعا"!!

وبعد هذه الشهادة القوية لفولتير عن القرآن الكريم.. والدفاع عنه، والدعوة إلى قراءته بتدبر، يؤكد "الغزالي" هذه الرؤية الحضارية الإيجابية للعلاقة بين الإسلام والغرب.

فيقدم للأجيال المعاصرة شهادة المفكر المسيحي "أبادي" في كتابه المطبوع سنة 1719هـ حيث يقول "أبادي" منوها بالنبي صلى الله عليه وسلم الإسلام ومدافعا عنه، ومشيدا بالقرآن الكريم:

"لا يسعنا إلا أن يكون لنا رأى رفيع في مكانة محمد وعده نبيا عظيما، فقد علم البشر أن يفردوا ربهم بالسلطان المطلق، ولم يمنح هذا السلطان أحدا من الخلق، ودفع الأجيال المتعاقبة إلى عبادة الله ذي الجلال والإكرام، فالله فوق عرشه رفيع الدرجات، والناس في إطار الخليقة الفقيرة إليه وحده. هل هناك شرع أكثر صحة من هذا الشرع؟ إن القرآن كتاب نبيل، ومن المؤكد أن محمدا شتت به ضلالات كثيرة".

إن هذه الرؤى الإيجابية عن الإسلام والقرآن في الفكر الغربي يقدمها الشيخ الغزالي إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية رغبة في رأب الصدع، وإزالة للفجوات العميقة التي حفرها الكثيرون في الطريق الواصل ما بين الحضارتين؛ وحين يقرأ المتشككون من أبناء جلدتنا في طبيعة الإسلام، والقيمة الإنسانية للقرآن الكريم؛ حين يقرأ هؤلاء "المستغربون" هذه الشهادات لمفكري الغرب وفلاسفته عن الإسلام سيراجعون أنفسهم، ويعيدون حساباتهم مع منهجهم التصادمي أو الرافض لقدرة الفكر الإسلامي على مواكبة ما يتطلبه العصر من تقنية وإنجازات حضارية.

إن "الغزالي" يستثير حمية المثقفين المسلمين المفتونين بالثقافات الأجنبية، ويأسى كثيراً لأن هؤلاء لم يستثمروا طاقاتهم الفكرية، ومنافذهم الثقافية في إلقاء الأضواء على طبيعة الإسلام، وقيمه العليا وأهدافه الإنسانية النبيلة، ويتساءل: ماذا أفدتم من هذه المقدرة؟ وماذا أفادت أمتكم منكم؟ هل استصحبتم دينكم وتاريخكم وأنتم تطالعون الثقافات الأجنبية؟

إنكم لم تترجموا العلوم، وكنا أفقر إليها وأحوج من الروايات الغرامية والجنائية التي زاحمتم بها لغتنا، وشغلتم بها أولادنا؛ ونقلتم أكاذيب المستشرقين، وفي الحضارة الغربية عباقرة كثيرون عرفوا للإسلام فضله، وقد روا له ما أسدى للعلم وللعالم.

إن هذه الرؤية الإيجابية لحركة التلاقي بين الإسلام والغرب لا تعني أن الغزالي غافل عن الوجه الآخر المضاد المجسد للصراع والتصادم، وهو وجه سلبي يشارك في تشكيل ملامحه المشوهة بعض أتباع الإسلام قبل أعدائه؛ أو الذين يجهلون معالمه وتضاريسه، ويسيئون تقديم الخطاب الإسلامي للناس؛ ومأساة الإسلام ـ كما يرى الشيخ الغزالي ـ تكمن في أن أناسا يتقدمون بتقاليد الشعوب على أنها تعاليم الوحي، بل إنهم يتقدمون بالأخطاء التاريخية على أنها توجيهات سماوية.

وستبقى الحضارة الحديثة حاكمة ما بقى هؤلاء يدعون ويكابرون، ولن تصح مسيرة العالم إلا بعودة الإسلام ذاته على أيدي أولى الألباب، ومن لهم قلوب؛ وسنظل نردد مع الداعية الفارس المؤمن "الشيخ الغزالي" والأسى يتملكنا، والأمل يدفعنا إلى البحث عن الطريق الصحيح، والمنهج القويم للتفا عل مع المد الحضاري المعاصر، حتى لا تظل آفاق المستقبل أمامنا ـ كما هي الآن ـ غائمة الرؤى، مطفأة الشموس، حالكة الأقمار، يقول الغزالي:

"لابد من إعادة النظر في ثقافاتنا كلها، أعنى ثقافتنا الذاتية؛ لننبذ منها ما ليس له رصيد من هداية الله؛ وإعادة النظر في العلوم الكونية والإنسانية التي تموج بها الأرض لنقتبس منها ما نحتاج إليه على عجل".

رحم الله الإمام الداعية الشيخ محمد الغزالي.. وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل مقامه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيق. آمين
avatar
THE ONLY WAY
Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 119
تاريخ التسجيل : 01/10/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى